فصل: تفسير الآيات (16- 19):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.سورة الحاقة:

.تفسير الآيات (1- 4):

{الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)}
{الحاقة} أي السَّاعةُ، أو الحالةُ الثابتةُ الوقوعِ الواجبةُ المجىءِ لا محالةَ، أو التي يحقُّ فيها الأمورُ الحقةُ من الحسابِ والثوابِ والعقابِ، أو التي تُحقُّ فيها الأمورُ أي تُعرفُ على الحقيقةِ من حقَّهُ يحِقُّه إذا عرفَ حقيقتَهُ، جُعلَ الفعلُ لها مجازاً وهو لِما فيها منَ الأمورِ أو لمَنْ فيها من أُولِي العلمِ وأيَّا ما كانَ فحذفُ الموصوفِ للإيذانَ بكمالِ ظهورِ اتصافهِ بهذِهِ الصفةِ وجريانِهَا مجرى الإسمِ، وارتفاعُها على الابتداءِ، خبرُهَا {مَا الحاقة} على أنَّ مَا مبتدأٌ ثانٍ، والحاقَّةُ خبرُهُ، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأولِ. والأصلُ ما هيَ أيْ أيُّ شيءٍ هي في حالِهَا وصفَتِهَا فإنَّ مَا قدْ يُطلبُ بها الصفةُ والحالُ، فوضعُ الظاهرِ موضعَ المضمرِ تأكيداً لهولها. هذا ما ذكرُوهُ في إعرابِ هذه الجملةِ ونظائرِهَا، وقد سبقَ في سورةِ الواقعةِ أنَّ مُقتضَى التحقيقِ أنْ تكونَ ما الاستفهاميةُ خبراً لما بعدَهَا فإنَّ مناطَ الإفادةِ بيانُ أنَّ الحاقةَ أمرٌ بديعٌ وخَطْبٌ فظيعٌ كما يفيدُهُ كونُ مَا خبراً لا بيانُ أنَّ أمراً بديعاً الحاقةُ كما يفيدُهُ كونُها مبتدأً وكونُ الحاقَّةِ خبراً. وقولُه تعالَى: {وَمَا أَدْرَاكَ} أي وأيُّ شيءٍ أعلمكَ {مَا الحاقة} تأكيدٌ لهولِهَا وفظاعتِهَا ببيانِ خروجِهَا عن دائرةِ علومِ المخلوقاتِ على مَعْنَى أنَّ عظمَ شأنِهَا ومَدَى هولِهَا وشدَّتِهَا بحيثُ لا تكادُ تبلغُهُ درايةُ أحدٍ ولا وهمُهُ وكيفَما قدرتَ حالَهَا فهيَ أعظمُ من ذلكَ وأعظمُ فلا يتسنَّى الإعلامُ. ومَا في حيزِ الرفعِ على الابتداءِ، وأدراكَ خبرُهُ. ولا مساغَ هاهنا للعكسِ. ومَا الحاقَّةُ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ على الوجهِ الذي عرفَتَهُ، محلُّها النصبُ على إسقاطِ الخافضِ لأنَّ أَدْرَى يتعدَّى إلى المفعولِ الثَّانِي بالباءِ كَما في قولِهِ تعالَى: {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} فلمَّا وقعتْ جملةُ الاستفهامِ معلّقةً لهُ كانَتْ في موضعِ المفعولِ الثانِي والجملةُ الكبيرةُ معطوفةٌ على ما قبلَهَا من الجملةِ الواقعةِ خبراً لقولِهِ تعالَى: {الحاقة} مؤكدةٌ لهولِها كما مرَّ {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة} أيْ بالحالةِ التي تقرعُ النَّاسَ بفنونِ الأفزاعِ والأهوالِ والسماءَ بالانشقاقِ والانفطارِ، والأرضَ والجبالَ بالدكِّ والنسفِ، والنجومَ بالطمسِ والانكدارِ. ووضعُهَا موضعَ ضميرِ الحَاقَّةِ للدلالةِ على مَعْنَى القرعِ فيها تشديداً لهولِهَا، والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لإعلامِ بعضِ أحوالِ الحَاقَّةِ لهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثرَ تقريرِ أنَّه ما أدراهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بها أحدٌ، كما في قولِهِ تعالَى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} ونظائرُهُ خَلا أنَّ المبيِّنَ هناكَ نفسُ المسؤولِ عنْهَا وهَهُنَا حالٌ منْ أحوالِهَا، كَما في قولِهِ تعالَى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} فكمَا أنَّ المبيَّنَ هناكَ ليسَ نفسَ ليلةِ القدرِ بل فضلَها وشرفَها، كذلكَ المبيَّنُ هاهنا هولُ الحاقةِ وعظمُ شأنِهَا وكونُها بحيثُ يحقُّ إهلاكُ منْ يكذبُ بها كأنَّه قيلَ وما أدراكَ ما الحاقةُ كذبتْ بها ثمودُ وعادٌ فأُهلِكُوا.

.تفسير الآيات (5- 9):

{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9)}
{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية} أي بالواقعةِ المجاوزةِ للحدِّ، وهيَ الصِّيحةُ أو الرَّاجفةُ {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} أي شديدةِ الصَّوتِ لها صرصرةٌ، أو شديدةُ البردِ تحرقُ ببردِهَا {عَاتِيَةٍ} شديدةِ العصفِ كأنَّها عتتْ على خُزَّانِهَا فلم يتمكنُوا من ضبطِهَا أو على عادٍ فلم يقدرُوا على ردِّها. وقولُهُ تعالَى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} إلخ استئنافٌ جىءَ بهِ بياناً ليكفيةِ إهلاكِهِم بالريحِ أي سلَّطها الله عليهِم بقدرتِه القاهرةِ {سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً} أي متتابعاتٍ، جمعُ حاسمٍ كشهودٍ جمعُ شاهدٍ من حسمتُ الدابةُ إذا تابعتُ بين كيِّها أو نحساتٌ حسمتْ كلَّ خيرٍ واستأصلتهُ أو قاطعاتٌ قطعتْ دابرَهُم، ويجوزُ أنْ يكونَ مصدراً منتصباً على العلةِ بمعنى قطعاً أو عَلى المصدرِ لفعلِهِ المقدرِ حالاً أي تحسمُهُم حُسوماً، ويؤيدُه القراءةُ بالفتحِ. وهيَ كانتْ أيامَ العجوزِ من صبيحةِ أربعاءَ إلى غروبِ الأربعاءِ الآخرِ، وإنَّما سُمِّيتْ عجُوزاً لأنَّ عجُوزاً من عادٍ توارتْ في سِرْبٍ فانتزعتْهَا الريحُ في اليومِ الثامنِ فأهلكَتْهَا، وقيلَ هي أيامُ العجزِ وهيَ آخرُ الشتاءِ وأسماؤُها الصِنُّ والصِّنَّبرُ والوبرُ والآمرُ والمؤتمرُ والمعللُ ومطفىءُ الجَمْرِ وقيلَ ومُكفىءُ الظعنِ. {فَتَرَى القوم} إنْ كنتَ حاضراً حينئذٍ {فِيهَا} في مهابِّها أو في تلكَ الليالِي والأيامِ {صرعى} مَوْتَى جمعُ صريعٍ {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ} أي أصولُ نخلٍ {خَاوِيَةٍ} متآكلةِ الأجوافِ.
{فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ} أي بقيةٍ أو نفسٍ باقيةٍ أو بقاءٍ على أنَّها مصدرٌ كالكاذبةِ والطاغيةِ. {وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} أيْ ومَنْ تقدَّمهُ. وقرئ: {ومَنْ قبلَهُ} أيْ ومَنْ عندَهُ من أتباعِهِ، ويؤيدُهُ أنَّه قرئ: {ومَنْ مَعَهُ} {والمؤتفكات} أي قرئ: {قومٍ لوطٍ} أي أهلُهَا {بِالْخَاطِئَةِ} بالخطإِ أو بالفعلةِ أو الأفعالِ ذاتِ الخطإِ التي من جُمْلتِهَا تكذيبُ البعثِ والقيامةِ.

.تفسير الآيات (10- 15):

{فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15)}
{فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ} أي فعَصَى كلُّ أُمَّةٍ رسولَهَا حينَ نَهَوهُم عمَّا كانُوا يتعاطونَهُ من القبائحِ {فَأَخَذَهُمْ} أي الله عزَّ وجَلَّ {أَخْذَةً رَّابِيَةً} أي زائدةً في الشدةِ كما زادتْ قبائحُهُم في القبحِ من رَبَا الشيءُ إذَا زادَ. {إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء} بسببِ إصرارِ قومِ نوحٍ على فنونِ الكفرِ والمعاصِي ومبالغتِهِم في تكذيبِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فيما أوحَى إليهِ من الأحكامِ التي من جُمْلَتِهَا أحوالُ القيامةِ. {حملناكم} أي في أصلابِ أبائِكُم {فِى الجارية} في سفينةِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ والمرادُ بحملِهِم فيها رفعُهُم فوقَ الماءِ إلى انقضاءِ أيامِ الطُّوفانِ، لا مجردُ رفعِهِم إلى السفينةِ كما يُعربُ عنهُ كلمةُ في فإنَّها ليستْ بصلةٍ للحملِ بلْ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من مفعولِهِ أي رفعناكُم فوقَ الماءِ وحفظناكُم حالَ كونِكُم في السفينةِ الجاريةِ بأمرِنَا وحفظِنَا، وفيه تنبيهٌ على أنَّ مدارَ نجاتِهِم محضُ عصمتِهِ تعالى إنَّما السفينةُ سببٌ صُوريٌّ {لِنَجْعَلَهَا} أي لنجعلَ الفعلةَ التي هي عبارةٌ عن إنجاءِ المؤمنينَ وإغراقِ الكافرينَ. {لَكُمْ تَذْكِرَةً} عبرةً ودلالةً على كمالِ قُدرةِ الصَّانعِ وحكمتِهِ وقوةِ قهرِهِ وسعةِ رحمَتِهِ {وَتَعِيَهَا} أي تحفظُهَا والوعيُ أنْ تحفظَ الشيءَ في نفسِكَ والإيعاءُ أن تحفظَهُ في غيرِ نفسِكَ من وعاءٍ وقرئ: {تَعْيها} بسكونِ العينِ تشبيهاً له بكتفٍ. {أُذُنٌ واعية} أي أذنٌ من شأنِهَا أنْ تحفظَ ما يجبُ حفظُهُ بتذكرِهِ وإشاعَتِهِ والتفكرِ فيهِ ولا تضيعُهُ بتركِ العملِ بهِ. والتنكيرُ للدلالةِ على قلَّتِهَا وأنَّ مَن هَذا شأنُه مَع قلتِهِ يتسببُ لنجاةِ الجمِّ الغفيرِ وإدامةِ نسلِهِم. وقرئ: {أُذْنٌ} بالتخفيفِ. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ واحدة} شروعٌ في بيانِ نفسِ الحاقَّةِ وكيفيةِ وقوعِهَا إثرَ بيانِ عظمِ شأنِهَا بإهلاكِ مكذبيها، وإنَّما حسُنَ إسنادُ الفعلِ إلى المصدرِ لتقييدِه وحسُنَ تذكيرُهُ للفصلِ. وقرئ: {نفخةً واحدةً} بالنصبِ على إسنادِ الفعلِ إلى الجارِّ والمجرورِ، والمرادُ بها النفخةُ الأُولى التي عندَهَا خرابُ العالمِ. {وَحُمِلَتِ الأرض والجبال} أي وقُلعتْ ورُفعتْ من أماكنِهَا بمجردِ القدرةِ الإلهيةِ أوبتوسطِ الزلزلةِ أو الريحِ العاصفةِ. {فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة} أيْ فضُربتْ الجملتانِ إثرَ رفعِهِمَا بعضِهَا ببعضٍ ضربةً واحدةً حتى تندقَّ وترجعَ كثيباً مهيلاً وهباءً منبثاً، وقيل فبُسطتا بسطةً واحدةً فصارتَا قاعاً صفصفاً لا تَرَى فيها عِوَجاً ولا أَمْتاً من قولِهِم اندكَّ السنامُ إذا تفرشَ وبعيرٌ أدكُّ وناقةٌ دكاءُ ومنهُ الدكانُ. {فَيَوْمَئِذٍ} فحينئذٍ {وَقَعَتِ الواقعة} أي قامتِ القيامةُ.

.تفسير الآيات (16- 19):

{وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)}
{وانشقت السماء} لنزولِ الملائكةِ {فَهِىَ} أي السماءُ {يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} ضعيفةٌ مسترخيةٌ بعدَمَا كانَتْ محكمةً {والملك} أي الخلقُ المعروفُ بالملكِ {على أَرْجَائِهَا} أي جوانِبِهَا جمعُ رَجَا بالقصرِ أي تنشقُّ السماءُ التي هيَ مساكنُهُم فيلجأونَ إلى أكنافِهَا وحافاتِهَا.
{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ} فوقَ الملائكةِ الذينَ هُم على الأرجاءِ أو فوقَ الثمانيةِ {يَوْمَئِذٍ ثمانية} من الملائكةِ عن النبيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هُم اليومَ أربعةٌ فإذا كانَ يومُ القيامةِ أيدهُم الله تعالَى بأربعةٍ آخرينَ فيكونونَ ثمانيةً. ورُوِيَ ثمانيةُ أملاكٍ أرجلهُم في تخومِ الأرضِ السابعةِ والعرشُ فوقَ رؤوسِهِم وهم مُطرقونَ مسبحونَ. وقيل: بعضُهُم على صورةِ الإنسانِ وبعضُهُم على صورةِ الثورِ وبعضُهُم على صورةِ النسرِ. ورُويَ ثمانيةُ أملاكٍ في خَلقْ الأوعالِ ما بينَ أظلافِهَا إلى رُكبِهَا مسيرةُ سبعينَ عاماً. وعن شَهْرِ بنِ حَوشبٍ أربعةٌ منهُم يقولونَ: سبحانك اللهمَّ وبحمدِك لكَ الحمدُ على عفوِكَ بعد قدرَتِكَ، وأربعة يقولونَ سبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِك لكَ الحمدُ على حلمِك بعد علمِك. وعنِ الحسنِ الله أعلمُ أثمانيةٌ أم ثمانيةُ آلافٍ وعن الضحَّاكِ ثمانيةُ صفوفٍ لا يعلمُ عددَهُم إلا الله تعالَى. ويجوزُ أنْ يكونَ الثمانيةُ من الروحِ أو من خلقٍ آخرَ. وقيلَ: هو تمثيلٌ لعظمتِهِ تعالَى بما يشاهدُ من أحوالِ السلاطينِ يومَ خروجِهِم على الناسِ للقضاءِ العامِ لكونِهَا أَقْصَى ما يتصورُ من العظمةِ والجلالِ وإلا فشؤونُهُ سبحانَهُ أجلُّ من كلَّ ما يحيطُ بهِ فَلَكُ العبارةِ والإشارةِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} أي تُسألونَ وتُحاسبونَ، عبِّر عنهُ بذلكَ تشبيهاً لهُ بعرضِ السلطانِ العسكرَ لتعرّفِ أحوالِهِم. رُوِيَ أنَّ في يومِ القيامةِ ثلاثَ عرضاتٍ فأما عرضتانِ فاعتذارٌ واحتجاجٌ وتوبيخٌ وأما الثالثةُ ففيها تنشرُ الكتبُ فيأخذُ الفائزُ كتابَهُ بيمينِهِ والهالكُ بشمالِهِ، وهذا وإنْ كانَ بعدَ النفخةِ الثانيةِ لكنْ لما كانَ اليومُ إسماً لزمانٍ متسعٍ. يقعُ فيهِ النفختانِ والصعقةُ والنشورُ والحسابُ وإدخالُ أهلِ الجنةِ الجنةَ وأهلِ النارِ النارَ. صحَّ جعلُهُ ظرفاً للكُلِّ {لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} حالٌ من مرفوعِ تُعرضونَ أي تُعرضونَ غيرَ خافٍ عليهِ تعالَى سرٌّ من أسرارِكُم قبلَ ذلكَ أيضاً وإنَّما العرضُ لإفشاءِ الحالِ والمبالغةِ في العدلِ، أو غيرِ خافٍ يومئذٍ على الناسِ كقولِهِ تعالَى: {يَوْمَ تبلى السرائر} وقرئ: {يَخْفى} بالياءِ التحتانيةِ {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ} تفصيلٌ لأحكامِ العرضِ {فَيَقُولُ} تبجّحاً وابتهاجاً. {هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه} هَا اسمٌ لخُذْ وفيهِ ثلاثُ لُغاتٍ أجودُهُنَّ هاءِ يا رجلُ وهاءِ يا امرأةُ وهاؤُا يا رجلانِ أو امرأتانِ وهاؤُونَ يا رجالُ وهاؤُنَّ يا نسوةُ. ومفعولُهُ محذوفٌ، وكتابَيه مفعولُ اقرؤُوا لأنَّه أقربُ العاملَينِ، ولأنَّه لو كانَ مفعولَ هاؤُمُ لقيلَ اقرؤُه إذِ الأَوْلَى إضمارُهُ حيثُ أمكنَ، والهاءُ فيهِ وفي حسابَيه ومالَيه وسلطانَيه للسكتَ تُثبتُ في الوقفِ وتسقطُ في الوصلِ واستُحبَّ إثباتُهَا لثباتِهَا في الإمامِ.

.تفسير الآيات (20- 27):

{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)}
{إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ} أي علمتُ، ولعلَّ التعبيرَ عنْهُ بالظنِّ للإشعارِ بأنَّهُ لا يقدحُ في الاعتقادِ ما يهجسُ في النفسِ من الخطراتِ التي لا ينفكُّ عنها العلومُ النظريةُ غالباً. {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} ذاتِ رِضَا على النسبةِ بالصيغةِ كما يقالُ دارعٌ في النسبةِ بالحرفِ أو جُعل لها مجازاً وهو لصاحِبِهَا وذلكَ لكونِهَا صافيةً عن الشوائبِ دائمةً مقرونةً بالتعظيمِ. {فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} مرتفعةِ المكانِ لأنَّها في السماءِ أو الدرجاتِ أو الأبنيةِ والأشجارِ {قُطُوفُهَا} جمعُ قِطْفٍ وهُو ما يُجتَنَى بسرعةٍ والقَطْفُ بالفتحِ مصدرٌ. {دَانِيَةٌ} يتناولُهَا القاعدُ. {كُلُواْ واشربوا} بإضمارِ القولِ، والجمعُ باعتبارِ المَعْنَى {هَنِيئَاً} أكلاً وشرباً هنيئاً أو هنئتُم هنيئاً. {بِمَا أَسْلَفْتُمْ} بمقابلةِ ما قدَّمتُم من الأعمالِ الصالحةِ {فِى الأيام الخالية} أي الماضيةِ في الدُّنيا، وعن مجاهدٍ أيامُ الصيامِ. ورُوِيَ يقولُ الله تعالَى: «يا أوليائِي طالما نظرتُ إليكُم في الدُّنيا وقد قلصتْ شفاهُكُم عن الأشربةِ وغارتْ أعينُكُم وخَمُصتْ بطونُكُم فكونُوا اليومَ في نعيمِكُم وكُلُوا واشربُوا» الآيةَ. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِشِمَالِهِ} ورَأَى ما فيهِ من قبائحِ الأعمالِ {فَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} لما شاهدَ من سُوءِ العاقبةِ {ياليتها} يا ليتَ الموتةَ التي مِتُّها {كَانَتِ القاضية} أي القاطعةَ لأمرِي ولم أُبعثْ بعدَها، ولم ألقَ ما أَلقَى فضميرُ ليتِهَا للموتةِ، ويجوزُ أن يكونَ لِمَا شاهدَهُ من الحالةِ أي يا ليتَ هذه الحالةَ كانتِ الموتةَ التي قضتْ عليَّ لما أنَّهُ وجدَها أمرَّ من الموتَ فتمنَّاهُ عندَها وقد جُوِّزَ أن يكونَ للحياةِ الدُّنيا أيْ يا ليتَ الحياةَ الدُّنيا كانتِ الموتةَ ولم أُخلقْ حياً.

.تفسير الآيات (28- 36):

{مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36)}
{مَا أغنى عَنّى مَالِيَهْ} ما لي من المالِ والأتباعِ على أنَّ ما نافيةٌ والمفعولُ محذوفٌ أو استفهاميةٌ للإنكارِ أيْ أيُّ شيءٍ أغْنَى عنِّي ما كانَ لي من اليسارِ. {هَلَكَ عَنّى سلطانيه} أي مُلكِي وتسلُّطِي على الناسِ أو حُجتي التي كنتُ أحتجُّ بها في الدُّنيا أو تسلطي على القُوَى والآلاتِ فعجزتُ عن استعمالِهَا في العِبَاداتِ.
{خُذُوهُ} حكايةٌ لما يقولُهُ الله تعالَى يومئذٍ لخزنةِ النارِ {فَغُلُّوهُ} أي شُدوه بالأغلالِ {ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ} أي لا تُصلُّوه إلا الجحيمَ وهي النارُ العظيمةُ ليكونَ الجزاءُ على وفقِ المعصيةِ حيثُ كانَ يتعاظمُ على الناسِ {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا} أي طولُهَا {سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ} فأدخلُوه فيها بأنْ تلفّوهَا على جسدِهِ فهو فيما بينَهَا مرهقٌ لا يستطيعُ حَراكاً ما وتقديمُ السلسلةِ كتقديمِ الجحيمِ للدلالةِ على الاختصاصِ والاهتمامِ بذكرِ ألوانِ ما يعذبُ بهِ وثمَّ لتفاوتِ ما بينَ الغُلِّ والتصليةِ وما بينهُمَا وبينَ السلكِ في السلسلةِ في الشدَّةِ. {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم} تعليلٌ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ ووصفُه تعالَى بالعِظَمِ للإيذانِ بأنَّه المُستحقُّ للعظمةِ فحسبُ، فمَنْ نسبَها إلى نفسِهِ استحقَّ أعظمَ العُقوباتِ {وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين} ولا يحثُّ على بذلِ طعامِهِ أوْ عَلَى إطعامِهِ فضلاً أنْ يبذلَ مِن مالِهِ، وقيلَ ذُكِرَ الحضُّ للتنبيهِ على أنَّ تاركَ الحضِّ بهذهِ المنزلةِ فما ظنُّكَ بتاركِ الفعلِ، وفيهِ دلالةٌ على أنَّ الكفارَ مخاطبونَ بالفروعِ في حقِّ المُؤاخذةِ. قالُوا تخصيصُ الأمرينِ بالذكرِ لما أنَّ أقبحَ العقائدِ الكفرُ وأشنعَ الرذائلِ البخلُ وَقَسوةُ القلبِ. {فَلَيْسَ لَهُ اليوم هاهنا حَمِيمٌ} أي قريبٌ يَحميهِ ويدفعُ عنْهُ ويحزَنُ عليهِ لأنَّ أولياءَهُ يتحامونَهُ ويُفرُّونَ منْهُ {وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} أي من غُسالةِ أهلِ النارِ وصديدِهِم فِعلين من الغُسْلِ.